الرئيسية / تاريخ عبدس وفلسطين / عائدون : أبو حسين يجسد حاضر وماضي مخيم خان يونس

عائدون : أبو حسين يجسد حاضر وماضي مخيم خان يونس

أبو حسين يجسد حاضر وماضي مخيم خان يونس تملأ وجهه تجاعيد حفرتها السنين، يداه ترتجفان، بين كل جملة وجملة يستنشق الهواء فعمرة الذي زاد عن الأربعة والثمانين عاما جعلته يحتاج إلى فترة راحة أثناء الحديث ورغم ذلك يمتلك ذاكرة قوية تمكنه من وصف كيف تم طردة من قبل العصابات الإسرائيلية من أرضة وبيته وكيف استمر هذا التشرد لأكثر من نصف قرن، والعالم ينظر ولا يعترض على أحقيته في العودة إلى قريبته قبل انتهاء العمر. ويتمنى الحاج حسن العويني “أبو حسين” من قرية الصرفند أن يعود إليها وان تكتحل عيناه برؤيتها، ويقول “كل يوم اذكر أبنائي وأحفادي بان لهم بلدا أصلية ويجب أن يتذكروها وان يورثوها إلى أبنائهم”، وهذا يأتي ضمن الإصرار والتصميم على حق العودة الذي حاول الإسرائيليون مرارا وتكرارا شطبه في جميع الاتفاقات وللغي كلمة اللاجئين كذلك. ويؤكد أبو حسين أنه لن يتنازل عن أي شبر من أرضه وجميع عائلته أيضا فهو وأبناؤه يلقنون دائما أطفالهم بأن لهم وطن وأن البقعة الأرضية التي يعيشونها فيها هي مؤقتة فقط ورغم ذلك سيعمرونها ويعملون ويتزوجون وينجبون وينقلون أثارهم وحياتهم الماضية إلى الحاضر والمستقبل. هاجر أبو حسين من قريته وعمرة 20 عاما يقول: “حياتنا هوان في هوان” بعد رحيلنا من صرفند عشنا في معسكر البريج- وهي من مناطق وسط غزة – حيث كانت عبارة عن معسكر للجيش البريطاني ومختص لسجن المساجين، وكان هذا الأمر في الهجرة الأولى أي ما بين 1947- 1949م واجبر على الهجرة ما يقارب 750 ألف مواطن فلسطيني.  وفي الهجرة الثانية وكانت من آذار 1948- أيار 1948 م وبلغ عدد المهجرين ما بين 200-300 ألف فلسطيني فزاد عدد اللاجئين في المعسكر مما اضطررنا إلى المغادرة والتوجه إلى خان يونس وسكنا في المخيم والتي كانت عبارة عن سفوح رملية خالية، فشيد لنا الصليب الأحمر الخيام عشنا فيها أيام نعدها بانتظار عودتنا التي طالت”. تطور المخيم ويبين التطور الذي حدث في مخيم خان يونس خلال تواجده فيه، فقال “مر المسكن في المخيم بعدة مراحل عمرانية وهي استجابة للعديد من التطورات التي مست الشكل الخارجي للمسكن وطبيعة التطور العمراني والزيادة السكانية في المخيم”. ويتابع أبو حسين “أول ما انتقلنا إلى المخيم قامت الجمعيات الخيرية والصليب الأحمر بتوزيع الخيام علينا، ومن ثم استلمتها وكالة الغوث الدولي، حيث استقريت بأحد هذه الخيام وكان لها شكلان وهما المخروطي والذي يطلق عليه خيمة (الجرس) وخيمة مستطيلة الشكل والتي تتسع لأكثر من أسرة، وتم توزيع الخيمة بناء على عدد أفراد الأسرة وكان المسئول عن المخيم يقوم بجولات لتحديد مدي صلاحية الخيام ولصرف خيم جديدة في حالة تمزقها أو زيادة أفراد الأسرة”. ولقد أسست الأمم المتحدة منظمة تسمى “هيئة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين” في نوفمبر/ تشرين الثاني 1948 لتقديم المعونة للاجئين الفلسطينيين وتنسيق الخدمات التي تقدم لهم من طرف المنظمات غير الحكومية وبعض منظمات الأمم المتحدة الأخرى. وفي 8 ديسمبر/ كانون أول 1949 وبموجب قرار الجمعية العامة رقم 302 تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) لتعمل كوكالة مخصصة ومؤقتة، على أن تجدد ولايتها كل ثلاث سنوات لغاية إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. ومقرها الرئيسي في فيينا وعمّان.  ويؤكد أبو حسين استمرار مخيم خان يونس في الحفاظ على الخيام حتى منتصف الخمسينات عندما تمزقت بسبب الأحوال الجوية الصعبة، فلأول مرة تتساقط على غزة الثلج مما أصبحت إمكانية تجديد هذه الخيام من قبل وكالة الغوث الدولية أمراً صعباً وذلك لعدم وجود خيام كافية وكذلك ازدياد عدد السكان في المخيم بشكل كبير. غرف الوكالة ويكمل أبو حسين “للأسباب السابقة شرعت وكالة الغوث الدولية في النصف الثاني من الخمسينات ببناء مساكن من الطين والسعف للاجئين في المخيمات و أطلق عليها اسم (غرف الوكالة) وهذا الاسم يوحي لنا بضيق الغرف وصغرها وارتبطت بتوزيع هذه الغرف بشكل أساسي مع عدد أفراد العائلة، فالعائلة التي يبلغ عددها أقل من 5 أشخاص يعطونهم غرفة تبلغ مساحتها 9 متر مربع، والعائلة التي يبلغ تعدادها 6 – 7 أشخاص يحصلون علي غرفة أكبر والتي تبلغ مساحتها 12 متر مربع، وإذا زاد عدد أفراد العائلة عن 8 أشخاص تقوم الوكالة ببناء غرفتين من الحجم الصغير أي ما مساحته 18 مترا مربعا للغرفتين المتلاصقتين”. ويتابع حديثه والمرارة والقهر والأسى لم يتمالك عبراته ففرت من عينيه دموع ما لبث أن مسحها بيده ” عانينا كثير من هذه الغرف حيث انتشرت الأمراض والحشرات ولم يكن هناك مرافق صحية خاصة في كل عائلة بل كانت جماعية، مما زاد انتشار الأمراض داخل المخيم وانتشرت الأوبئة بالإضافة لصعوبة العيش بشكل كبير وخاصة خلو الغرف من المطابخ وكذلك المياه “أيام من أصعب أيام الحياة التي مرت علي”. وبين أبو حسين أن هذه الغرف بنيت بشكل مؤقت باعتبار أن قضية اللاجئين تنتظر حلاً قد يسمح لهم من خلاله بالعودة، لهذا فعملية البناء لم تسمح بإمكانية بناء طوابق أخرى فوق هذه الغرف المتهرئة وسبق أن أعادت الوكالة بناء هذه الغرف بسبب تفشي الأمراض بين السكان بالحجارة بعد مرور خمس سنوات تقريبا علي العيش بداخلها، وفي هذه المرحلة تم إضافة غرف جديدة تستعمل كحمام ومطبخ أقيمت من مواد الخشب والزينكو، والصفيح، والقصدير”. التوطين والعمل ويذكر أن في هذه المرحلة أثيرت تساؤلات كثيرة عند اللاجئين وبمن فيهم نحن حول ما إذا كانت هذه البيوت ستصب في مشروع التوطين وعدم العودة إلى الوطن والبقاء فيها ,فبدأنا في البحث عن عمل والاندماج في الوضع الذي فرض علينا وأصبح هناك انصهار كذلك بين العائلات المختلفة.  ويكمل أبو حسين “مع الاندماج الذي حصل مع اللاجئين وزيادة عدد السكان بدأت وكاله الغوث بإضافة غرف جديدة إلى جانب الغرف القديمة، ومن ثم بدأ الأهالي في المخيمات بإضافة غرف جديدة على نفقتهم الخاصة، وكان هذا في السبعينات وهو نتيجة التطور الاقتصادي النسبي جراء فتح سوق العمل الإسرائيلية أمام عمال المخيمات من جهة ونتيجة لمعدل التكاثر الطبيعي المرتفع من جهة أخر”.  ويوضح أن الغرف الجديدة المضافة أكثر متانة ومبنية على أسس أفضل من غرف الوكالة التي بدأت بالانهيار التدريجي وكذلك فالغرف الجديدة بنيت من الباطون ومساحتها تجاوزت المساحة القديمة لغرف الوكالة حيث بلغت مساحة الغرفة (15 – 20) متراً مربعاً، والتوسع في بناء الغرف الإضافية، فكان ذا تأثير على تقلص مساحة الطرقات الفاصلة بين البيوت وهنا كان سببا رئيسيا في الاكتظاظ السكاني، وتأثيره على الوضع الصحي للمسكن الذي يخلو من عناصر التهوية وهذه من أهم سمات المخيم”.  ويقول أبو حسن “وفي وسط الثمانينات أصبح هناك تقدم عمراني واسع حيث بدا سكان المخيم في إزالة غرف الوكالة القديمة التي أصبحت معرضة للانهيار وغير قادرة على استيعاب الأعداد الجديدة من المواليد من أبناء اللاجئين وأحفادهم وبناء غرف جديدة أوسع بجانبها والصعود بشكل عمودي لبناء طابقين وثالث سقف الزينكو بالإسمنت المسلح, وأصبح أمر المخيم واقع حيث بدأ البيع والشراء في المنازل والتنقل بين المخيمات في قطاع غزة بحثا عن الهدوء والأقارب والأنساب وحتى من ذوي البلد الواحد”.  يتابع أبو حسين “لم تكتفي (إسرائيل) في تهجيرنا من موطننا الأصلي وهدم منازلنا والاستيلاء عليها فقلد عاد الاحتلال مرة أخرى إلى التهجير والقمع وهدم المنازل حيث عان المخيم كثيرا بسببهم، فأصبح وجودنا في المخيم في تلك الفترة أي قبل انسحاب (إسرائيل) في عام 2005م جحيماً بفعل عدم توفر الخدمات الحياتية و الاستهداف المستمر والمتكرر من قبل الاحتلال للمخيم وللاجئين الذين يقطنوه”. الاحتلال والتشريد مرة أخرى ويبين أن العديد من سكان المخيم فقدوا كل شيء ولم يعد هناك ما يملكونه فقد فاجأتهم الدبابات والجرافات وبدأت بهدم منازلهم في عام 2003م فاضطروا إلى الهرب وإنقاذ أطفالهم وأحفادهم دون أن يخرجوا شيئاً من ممتلكاتهم ومحتويات منازلهم وعاشوا فترة طويلة في العراء، وعاد السكان إلى الخيام مرة أخرى بعد أن تحسنت الأوضاع المعيشية، حيث تم صرف خيمة إلي كل عائلة هدم منزلها من قبل وكاله الغوث وتشيدها فوق ركام وأنقاض المنازل وحتى هذه الخيمة لم تسلم من جبروت المحتل، لقد كان أصحاب المنازل يقضون نهارهم في الخيمة ويضطرون إلى اللجوء لمنازل الجيران لقضاء حاجاتهم أما في ساعات الليل فالأولاد يتشتتون عند الجيران والأصدقاء .   وأكد أبو حسين أن معاناتهم مع الاحتلال لم تتوقف مع هدم منازلهم إذ واصل جنود الاحتلال قصف الخيام التي نصبت على أنقاض المنازل المهدمة بالرشاشات الثقيلة بصورة شبه يومية في ساعات الليل والنهار بهدف إرهابهم ودفعهم إلى الرحيل عن المنطقة، ولكن الجميع اجمع انه رغم المعاناة التي عاشوها فلم يبق شيء حتى يخسرونه وإذا نحج المحتل بان يهجروهم من مواطنهم الأصلية فإنهم باقون ولن يغادروا المكان ليتهجروا مرة أخرى إلا على جثثهم. مستوطنة “غوش قطيف” وكانت تسيطر مستوطنات “غوش قطيف” في خان يونس على حوالي 37% من مساحة خان يونس الإجمالية، مما أعاق كل عمليات التنمية والتطوير والنهضة في المناطق الشمالية والغربية، والجنوبية بحكم أنها مجاورة للمستوطنات.  وحولت المستوطنات والمواقع العسكرية حياة السكان في المحافظة إلى جحيم ومعاناة لا توصف خلال أحداث الانتفاضتين، فسقط الشهداء وتشرد الآلاف من منازلهم، وحرم المزارعون من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.  ولقد كانت خان يونس المستفيد الأكبر من عملية الانسحاب الإسرائيلي في 15/ أغسطس /أب عام 2005م، لا سيما وأن الجزء الأكبر من مستوطنات قطاع غزة يتواجد بشكل أساس فيها.  ويقول أبو حسين “حاولت الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد عمليات الهدم، وحيث قامت بتقديم الخيام والبطانيات والطعام والمياه الصالحة للشرب، إلى المشردين الجدد بسبب هدم قوات الاحتلال لمنازلهم، كما تكلفت لبعض الأسر بدفع تكاليف السكن لديهم في احد البيوت بالإيجار ولكن ليس جميع من شردوا بسبب قلة الإمكانيات لدى الوكالة”.  ويتابع “بعد انسحاب (إسرائيل) من قطاع غزة أصبح الوضع أفضل بكثير حيث لأول مرة نشعر بأننا من طردنا الإسرائيليين من أرضنا وليس هم من طردونا من أرضنا، فتحسنت الظروف والمساكن وأصبح هناك عمران وان كان بشكل طولي بسبب ضيق المكان ولكن الاستقرار والأمن هو سيمت هذا العهد”. ويؤكد قيام الوكالة بعد تعهدها بإيجاد سكن جديد لجميع من فقدوا منازلهم، بإنشاء عدت أحياء سكنية تقوم حاليا بتشطيبها وتسليمها إلى من أصحاب البيوت الذين تأثروا بعمليات الهدم ولقد سلمت أول دفعة من المنازل وفقا لعدد أفراد الأسرة وهي مقامة على ارض المحررات من المستوطنات السابقة وتقوم بتشطيب عدد أخر لتسليمه. وأحصت دائرة الإغاثة والخدمات الاجتماعية التابعة للأونروا منذ شهر أيلول عام 2000 م ,752 منزلا تم تدميرها جراء العمليات العسكرية التي قامت بها القوات الإسرائيلية في مخيم خان يونس بلوك “1” الذي يأوي ( 1115 عائلة / ما يقارب 5990 شخص). تفيد تقارير الأونروا بأن هناك 790 عائلة بحاجة للمساعدة في إعادة تسكينهم حيث سلمت الأونروا 135 منزلا ل 146 عائلة، وهناك 121 منزلا تحت الإنشاء لتضم 135 عائلة في منطقة خان يونس. ونظرا لعدم وفر الميزانيات اللازمة فقد بقيت مجموعة من الأسر بلا مأوى لحين توفر الميزانيات لإعادة تسكينهم). دائرة شؤون اللاجئين – وكالات أنباء 17/7/2013

عن الاعلامي جهاد أحمد

الاعلامي جهاد أحمد من قرية عبدس الفلسطينية

شاهد أيضاً

شاهد التراث الفلسطيني

شاهد التراث الفلسطيني   شاهد التراث الفلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.